آخر تحديث :الخميس-27 فبراير 2025-01:55ص

الجلد في طور الباحة وصعود السلفية جنوبًا

الخميس - 27 فبراير 2025 - الساعة 01:36 ص

نشوان العثماني
بقلم: نشوان العثماني
- ارشيف الكاتب


في ساحة عامة، وأمام أعين الجميع، جُلد رجل بسيط ثمانين جلدة!

ذنبه؟ شرب الخمر. (أين أنت يا حمادي؟)

لم يلتفت أحد إلى كرامته، لم يفكر أحد في إنسانيته، وكأن الأمر مجرد استعراض للقوة –ولشيء آخر- وسط فقر مدقع وحرب طاحنة تلتهم البلاد.


والمفارقة أن هذه الحدود –التي يجب أن يُعاد فيها النظر- لا تُطبق إلا على البسطاء، على من لا سلطة تحميهم ولا سند، في حين لا يُجلد –ونحن ضد الجلد بأنواعه ومسمياته- من يملك النفوذ، بل يُدافع عنه، حتى لو تورط في فساد، أو استغل الدين لمآربه.

تُنفّذ الحدود فقط حين يكون الساكع مسكينًا، وحين يصبح جسده دون حماية متاحًا للعقاب وبتلك الصورة التي رأيتم.


لكن الأخطر من جلد الرجل هو ما يكشفه هذا الفعل عن التمدد السلفي المتسارع جنوبًا.

لم يعد الأمر مجرد ملاحقة قوارير الخمر وتكسيرها على الجدار، بل أصبح الجلد علنًا، وكأنهم ينتقلون إلى مرحلة أكثر تشددًا، إلى فرض نموذجهم بالقوة، وإلى ما هو أبعد من التدخل في السلوك الشخصي إلى التحكم في الحياة نفسها.


ما يحدث ليس مجرد تطبيق لعقوبة، بل تشويه متعمد لوجه الجنوب.

الجنوب الذي كان يُعرف بتنوعه وانفتاحه يجد نفسه اليوم في قبضة جماعات لا ترى في الإنسان إلا جسدًا يُجلد، ولا ترى في الخطأ إلا مناسبة لاستعراض سلطتها. ما يعني أن الجنوب الذي كان لم يعد لنا منه حتى بقايا الأثاث القديمة.


في عصرنا الحديث وفي كل عصر، لا يجوز أن يُهان أي إنسان بهذه الطريقة حتى لو أخطأ. هناك قوانين، هناك وسائل أخرى، وهناك بدائل تليق بمجتمع يسعى لأن يكون أفضل. أما الجلد، فليس سوى عودة إلى عصور غابرة مضت، وإلى أنماط حكم لم تجلب سوى القهر والتخلف.


وبين كل هذا وذاك -الفقر المدقع والحرب والمشاريع الظلامية- يصبح السؤال الملح:

ما مستقبل الجنوب؟


***

ما جرى في طور الباحة جريمة يجب أن تُدان، واعتداء سافر بحق الكرامة الإنسانية يجب ألّا يمر مرور الكرام، وتحدٍّ فج لكل القيم التي ترفض الإذلال والعقوبات المهينة.

لا يمكن تبرير جلد رجل في ساحة عامة تحت أي ذريعة، وذلك ليس عدلًا ولا دينًا، بل امتهان للإنسان باسم سلطة بدأت تظهر لنا وجهها الآخر وبخاصة على الضعفاء.

والسكوت عن مثل هذه الأفعال يعني التسليم بمستقبل يُحكم فيه مجتمعنا بالسياط، حيث الخوف هو القانون، والتطرف هو القاضي، والانتهاك هو المصير المحتوم لمن لا حماية له.